الشيخ محمد رشيد رضا

83

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كالذي قبله . ويليه عودة موسى إلى فرعون ومطالبته باخراج بني إسرائيل وامتناعه واظهار الرب الآيات له واحدة بعد أخرى كما يأتي مجملا في الآيات التالية ( فان قيل ) ظاهر ترتيب الآيات هنا يفيدان هذه المراجعة بين فرعون وملئه من جهة وبين موسى وبني إسرائيل من جهة أخرى وقعت بعد قصة السحرة ، وسياق التوراة صريح في وقوعها قبلها وبعد تبليغ أصل الدعوة - فهل يجب ان نقول إن ظاهر السياق هنا غير مراد وهو معطوف بالواو التي لا تدل على الترتيب - أعني قوله ( وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ ) الخ ليوافق التوراة وتتم به الحجة على رسالة نبينا ( ص ) من هذا الوجه وهو أنه كان أميا لا اطلاع له على التوراة ولا غيرها من كتب أهل الكتاب ولا غيرهم وانه لم يعلمه الا بوحي اللّه اليه ؟ كما قال له تعالى عقب قصة نوح ( ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) وما في معناه من قصة موسى في سورة القصص ؟ ( قلنا ) انه لا مانع من هذا الجمع ولا تتوقف الحجة عليه ، فان القرآن مشتمل على حجج كثيرة من هذا النوع ومن غيره تدل على كونه وحيا من اللّه تعالى لا يقدر على مثله محمد الاميّ ( ص ) ولا غيره من القارئين الكاتبين أيضا وهو على كونه كما قال مصدقا لكون تلك الكتب من عند اللّه تعالى اي في الأصل قد قال أيضا ان أهل التوراة أوتوا نصيبا منها ونسوا حظا ونصيبا آخر وانهم حرفوا بعض ما عندهم منها ، وإنه هو اي القرآن مهيمن عليها ، فما أقره منها فهو الذي لا شك فيه ، وما صححه بايراده مخالفا لما عندهم فهو الصحيح سواء كان بايراده إياه مخالفا لما فيها من بعض الوجوه ككون موسى هو الذي ألقى العصا فإذا هي حية وإذا هي تلقف ما يأفكون لا هارون كما في التوراة ، أو دلت قواعده أو نصوصه على امتناعه كما جاء في أول الفصل الثامن من سفر الخروج من أن الرب جعل موسى إلها لفرعون ويكون اخوه هارون نبيه ! ! فأصول القرآن وكذا التوراة - تمنع أن يكون إله غير اللّه عز وجل . وقد ثبت في تواريخ أهل الكتاب وغيرهم أن التوراة التي كتبها موسى عليه السّلام قد فقدت وأن عزرا الكاتب هو الذي كتب الاسفار المقدسة بعد السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد وهو الذي استبدل الحروف الكلدانية بالعبرانية ، على أن ما كتبه عزرا قد فقد أيضا ولكن جميع نسخ التوراة الموجودة في العالم مستمدة مما